الشنقيطي

365

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وفي الجمادات يشير إليه قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ ( 30 ) وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ [ الأنبياء : 30 - 31 ] . فرب الفلق تعادل رب العالمين ، فقابلها في الاستعاذة بعموم المستعاذ منه ، من شر ما خلق . ثم جاء ذكر الخاص بعد العام للاهتمام به ، وهو من شر غاسق إذا وقب ، والنفاثات في العقد ، وحاسد إذا حسد . فالمستعاذ به صفة واحدة ، والمستعاذ منه عموم ما خلق جملة وتفصيلا ، بينما في السورة الثانية جاء بالمستعاذ به ثلاث صفات هي صفات العظمة للّه تعالى : الرب والملك والإله . فقابل المستعاذ منه وهو شيء واحد فقط ، وهو الوسواس الخناس ، وهذا يدل على شدة خطورة المستعاذ منه . وهو كذلك ، لأننا لو نظرنا في واقع الأمر لوجدنا مبعث كل فتنة ومنطلق كل شر عاجلا أو آجلا ، لوجدناه بسبب الوسواس الخناس . وهو مرتبط بتاريخ وجود الإنسان . وأول جناية وقعت على الإنسان الأول ، إنما هي من هذا الوسواس الخناس ، وذلك أن اللّه تعالى لما كرّم آدم ، فخلقه بيده وأسجد الملائكة له وأسكنه الجنة هو وزوجه لا يجوع فيها ولا يعرى ، ولا يظمأ فيها ولا يضحى ، يأكلان منها رغدا حيث ما شاءا ، إلا من الشجرة الممنوعة ، فوسوس إليهما الشيطان حتى أكلا منها ودلاهما بغرور ، حتى أهبطوا منها جميعا بعضهم لبعض عدو . وبعد سكناهما الأرض أتى ابنيهما قابيل وهابيل فلا حقهما أيضا بالوسوسة ، حتى طوّعت نفس أحدهما قتل أخيه فأصبح من النادمين . وهكذا بسائر الإنسان في حياته بالوسوسة حتى يربكه في الدنيا ، ويهلكه في الآخرة ، ولقد اتخذ من المرأة جسرا لكل ما يريد . وها هو يعيد الكرة في نزع اللباس عن أبوينا في الجنة ، فينتزعه عنهما في ظل بيت اللّه الحرام في طوافهم قبل البعثة ولا يزال يغويه ، وعن طريق المرأة في كل زمان ومكان ليخرجه عن الاستقامة كما أخرج أبويه من الجنة .